عبد الملك الجويني
347
الشامل في أصول الدين
وسبيل تحصيل القول : أن نقسم الكلام عليهم فنقول : أنتم لا تخلون : إما أن تستدلوا بقضية عقل ، أو تتمسكوا بظاهر آية من القرآن . فإن استدللتم بقضية عقل ، سقط استدلالكم في أوجى ما يقدر ، إذ نازعناكم في كون الكلمة قديمة . وإن كان مسلككم بظاهر الآية ، فهو إلزام وليس باستدلال . ثم لنا في تأويل قوله تعالى : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [ النساء : 171 ] وجهان بعد تقديم أصل ، وهو أن الكلمة لو حملت على ما قلتموه واعتقدتموه ، لما قضت الآية ، فإن مفتتحها يدل على تفريعهم ، وتوبيخهم وزجرهم عن غلوهم في دينهم . فإنه تعالى قال : يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [ النساء : 171 ] . فلو أراد تعالى بذكر الكلمة ما ظنوه ، لكان مثبتا في سياق الكلام ما وبخ به في ابتدائها ، وهذا ما لا يلتبس على لبيب . ثم في التأويل وجهان : أحدهما : أن الكلمة بمعنى الآية كما قدمناه . والآخر : أن المعنى بإلقاء الكلمة إلى مريم ، تكوينه سبحانه وتعالى ابنها عند قوله : كُنْ . والمقصود من الآية أنه اخترعه اللّه تعالى بدءا ، وكوّنه من غير والد ، وقال له كن فكان . فهذا تفسير القاء الكلمة إلى مريم . ويوضح ذلك قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ [ آل عمران : 59 ] . فهذا تفسير الكلمة ، والقاؤها إلى مريم ؛ ظاهر التأويل ، إذ كل أمر اتصل بمأمور ، فهو ملقى إليه من حيث اتصل به فهما وعلما . ومما يتشبثون به كثيرا قوله تعالى : فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا [ الأنبياء : 91 ] . ولا مستروح لهم في هذه الآية ، لا استدلالا ، ولا إلزاما ، إذ ليس من أصلهم أن الروح حلّ المسيح ، وإنما حلّه عندهم العلم ، وهو الكلمة ، والروح عندهم هو الحياة . وإن سمى العلم به ، كان تجوزا ، نازلا منزلة تسمية العالم روحانيا . ثم تأويل الآية سهل المدرك . والروح ترد على معان : فقد ترد في القرآن ، والمراد به الوحي ، وهو المعني بقوله : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [ الشورى : 52 ] . وترد والمراد به ، جبريل ، وهو المعني بروح القدس . والروح أيضا اسم ملك يصف الملائكة يوم القيامة صفا ، وهو بنفسه يوازنهم . وقد فسر كثير من المفسرين بذلك قوله تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [ النبأ : 38 ] . وقد ترد الروح ، والمراد به أرواح الأشخاص ، وهو المراد بقوله تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] . فإذا كان اللفظ مترددا بين معان ، فلا نسوغ الاسترواح إلى ظاهره إلا مع اقترانه بما يفسره ، وكل مفتقر إلى التفسير ، لا يستدل بظاهره . ثم لا امتناع ، بعد سقوط وضوح الاستدلال ، في حمل الروح على أرواح الأشخاص والأشباح . ووجه إضافته إلى اللّه تعالى في قوله : مِنْ رُوحِنا [ الأنبياء : 91 ] التشريف والتكريم ، على ما قدمناه عند ذكرنا تأويل الظواهر .